محمد حسين علي الصغير

58

نظرات معاصرة في القرآن الكريم

وسياسيا في بغداد ، وهو أول من سبع القراءات القرآنية في كتابه : « القراءات السبع » « 1 » وقد حقّقه ونشره أستاذنا الدكتور شوقي ضيف . لقد كان المنهج الموضوعي الذي اختطته مدرسة الكوفة في تفسير القرآن العظيم ، منهجا يواكب أحدث المداليل العصرية للبحث المبتكر ، وكان نموذج هذا المنهج - فيما بعد عصري التكوين والتأصيل - هو أبو زكريا الفرّاء ( ت : 207 ه ) في « معاني القرآن » ، فقد كان امتدادا تراثيا متطورا لما سبق ، وممثلا جامعيا للتدوين المنظم والمتسلسل ، فقد فسر القرآن الكريم سورة سورة حتى أتى عليه ، وهو يبحث في هذا النوع من التفسير اللغوي المتميز ، المفردات العلمية التالية في الأعم الأغلب ؛ وهي : تراكيب الجمل والاعراب والاشتقاق ، القراءات أصولها وموقفه الاجتهادي منها ، فقدم وأخر وأفتى واستنبط ، ورجح وقوم بذائقة فنية . وقد عني بالايقاع السمعي للألفاظ ، والجرس الناغم في الكلمات ، واسترسل في بيان الميزان الصرفي للمفردات ، وملاحظة النسق الصوتي في الفواصل ، وأظهر القيمة الصوتية في العبارات ، وقد قارن بين وزن الشعر ووزن القرآن ، وتحدث عن مراعاة السياق ، وترتيب السجع ، وعرض لجملة من أصناف البديع ، وترشحت من خاطره مباحث بلاغية معدودة من نظراته الثاقبة ، وفكره النير أملتها عليه طبيعة البحث اللغوي ، فكان للتشبيه نصيب مما كتب ، وللتمثيل إطار خاص ، وللمجاز مجال جميل ، وللاستعارة معان قرآنية متأصلة ، وهو في كل ذلك لم يخرج عن المنهج اللغوي للتفسير ، وإن استعان على فهم الآية بأختها ، وعلى كشف النص بالرواية ، وعلى تدوين اللغة من الأثر . لقد أثر هذا المنهج للمدرسة الكوفية بعامة ، كما أثر غيره من إفاضات مدرسة الكوفة في المناحي الانسانية ، في ثلاثة من عمالقة التفسير القرآني ، هم : 1 - أبو جعفر ، محمد بن جرير الطبري ( ت : 310 ه ) في تفسيره الكبير « جامع البيان في تفسير آي القرآن » فالطبري وإن اعتمد على التفسير بالمأثور بدقّة متناهية ، فلا تكاد تجد رأيا في تفسيره إلا قد أسند برواية

--> ( 1 ) حققه الدكتور سيد أحمد صقر تحقيقا فريدا ، مطبعة عيسى الحلبي ، القاهرة .